علي الهجويري

358

كشف المحجوب

فصل في الجوع وما يتعلق به قال الله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ « 1 » وقال عليه السّلام : « بطن جائع أحب إلي الله من سبعين عابد غافل » ، فاعلم أن للجوع شرفا عظيما ، وهو ممدوح عند الأمم والملل ، فهو في الظاهر يشحذ الذهن ، ويهذب القريحة ، ويقوي الجسد ، فكل من ليس عنده شره زائد يمكن أن يوطن نفسه علي الرياضة لأن الجوع للنفس خضوع وللقلب خشوع وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « أجيعوا بطونكم وأظمئوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم تري اللّه عيانا في الدنيا » . ومع أن الجوع هو بلاء الجسد إلا أنه يضئ القلب ويصفي الروح ويقود النفس إلي حضرة اللّه وحين يحدث ذلك فلا قيمة لتلف الجسد وليس للشبع في ذاته خطر ، ولو أن له خطرا لما أشبع الدواب لأن الشبع هو من أعمال الدواب ، فالجوع هو عمارة الباطن والشبع عمارة المبطون ، وفرق بين من أفني عمره في عمارة باطنه حتى صار فردا مع الله وبين من أمضى عمره في عمران بطنه وخدمة هواه . « كان المتقدمون يأكلون ليعيشوا وأنتم تعيشون لتأكلوا » وفرق بين هذا وذاك . « فالجوع طعام الصديقين ومسلك المريدين » وآدم عليه السلام هبط من الجنة لأكله لقمة من الطعام وبعد من جوار الله تعالى أما من كان جوعه اضطرارا فليس بجائع حقيقي إنه من أحب أن يأكل بعد أن قرر الله تعالى ما يخالف هواه هو في الحقيقة قد أكل وفضل الجوع يرجع إلي من يمتنع عن الأكل ويقيد شيطانه بالجوع لا إلي المحروم منه . قال الكتاني : « من حكم المريد :

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 155 .